د.
درويش مصطفى الشافعي
يندفع
الناس نحو الحداثة والتطوير، مثلما تحوم الفراشة حول الضوء الساطع معتقدةً بأنه
نور النهار، وما تلبث أن تكتوي بلهيبه فتموت، هذا هو شأن الناس في كل أمر من أمور
الدنيا، يلهثون وراء كل جديد غير مدركين للنتائج والعواقب، والأمثلة على ذلك
كثيرة، فقد أهمل الناس على سبيل المثال أواني الفخار والزجاج وابتاعوا تلك
المصنوعة من البلاستيك، الذي ما لبث أن استفحل في المطابخ ومختلف مجالات الحياة،
حتى انكشف سره وأكد العلماء مساوئه وأضراره على الصحة البشرية وسلامة البيئة،
واستبشر الناس خيراً باختراع المحراث الآلي (التراكتور)، فخسروا بسببه عشرات بل
مئات الأنواع البرية ذوات البصلات والدرنات الكامنة في أعماق الأرض، والتي كانت
تطعمهم وتداوي أمراضهم.
وانبهر
الناس بالشبكة العنكبوتية (الإنترنت)، التي وضعت بين أيديهم مختلف أشكال المعرفة
النافع منها والضار، ولم يخطر على بالهم أن هذا الاختراع سيغير قيمهم ومفاهيمهم
وعاداتهم ويشوه عقيدتهم، وسيلحق الضرر البليغ في ثقافتهم ولغتهم، ألم تتسبب الشبكة
العنكبوتية بوقوع الكثير من المشاكل الاجتماعية والجرائم غير المسبوقة وأنتجت لغة
(الأرابيش)1 التي تشوه بل وتقضي على حروف وقواعد لغتنا العربية؟! وهل خطر على بال
الناس أنهم يستبدلون ثقافة قراءة الكتاب بثقافة تصفح مواقع الشبكة العنكبوتية
مشبوهة الأهداف؟ وهل كانوا يتوقعون أن الشبكة العنكبوتية بمحتوياتها البراقة،
ستزيل الكتاب الورقي وتقضي على شريحة المؤلفين والناشرين، وما يترتب على ذلك من
تبعات ثقافية واقتصادية خطيرة؟